ابن عربي
72
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
السريرة ، وإنا نعوذ باللّه أن ننزل كتابنا منك سوى المنزل الذي نزل من قلوبنا ، وإنما كتبنا به نصيحة لك والسلام . وكتب إليهما عمر رضي اللّه عنهما : من عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ، سلام اللّه عليكما . أما بعد ، فإنكما كتبتما إليّ تذكّراني أنكما عهدتماني وأمر نفسي إلي مهم ، وإني أصبحت وقد ولّيت أمر هذه الأمة ، وذكر كلاما . ثم قال : فإنه لا حول ولا قوة عند ذلك لعمر إلا باللّه ، وذكرتما أنكما كتبتما نصيحة لي وقد صدقتما ، فلا تدعا الكتاب إلي فإنه لا غنى لي عنكما ، والسلام عليكما . وروينا من حديث مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، قال : خرجت مع عمر إلى السوق فلحقته امرأة شابة ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، هلك زوجي ، وترك صبية صغارا ، واللّه ما ينضجون كراعا ، ولا لهم زرع ، ولا درع ، وخشيت عليهم الطمع ، فأنا ابنة خفاف بن أغام الغفاري ، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فوقف معها عمر ، ولم يمض ، وقال : مرحبا بنسب قريب . ثم انصرف إلى بعير كان مربوطا إلى الدار ، فحمل عليه غرارتين ، ملأهما طعاما ، وجعل بينهما نفقة وثيابا ، ثم ناولها خطامه ، وقال : اقتاديه ، فلن يفنى هذا حتى يأتيكم اللّه بخير . وروينا من حديث أبي نعيم محمد بن معمر ، ثنا أبو شعيب الحرّاني ، ثنا يحيى بن عبد اللّه ، ثنا الأوزاعي ، أن عمر بن الخطاب خرج في سواد الليل ، فرآه طلحة ، فذهب عمر ، فدخل بيتا ، ثم دخل بيتا آخر ، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت ، فإذا عجوز عمياء مقعدة ، فقال لها : ما بال هذا الرجل يأتيك ؟ قالت : إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا ، يأتيني بما يصلحني ، ويخرج عني الأذى . فقال طلحة : ثكلتك أمك يا طلحة ، لعثرات عمر تتبع ؟ ومن مواعظ عثمان بن عفان رضي اللّه عنه ما روينا من حديث أبي بكر بن أبي الدنيا ، قال : كتب إليّ أبو عبد اللّه محمد بن خلف التيمي ، قال : حدثنا شعيب بن إبراهيم ، عن سيف بن عمر ، عن يزيد بن عثمان ، قال : آخر خطبة خطبها عثمان : « أيها الناس ، إن اللّه إنما أعطاكم الدنيا ، لتطلبوا بها الآخرة ، فلم يعطكموها لتركنوا إليها . إن الدنيا تفنى ، والآخرة تبقى . لا تبطرنكم الفانية ، ولا تشغلنكم عن الباقية . آثروا ما يبقى على ما يفنى ، فإن الدنيا منقطعة ، وإن المصير إلى اللّه . اتقوا اللّه ، فإن تقواه جنة من